الثلاثاء، 17 أبريل 2018

رسالتي إلى الطفلة براءة


حين رأيتكِ لأول مرة عدتُ إلى البيت باكرًا، وطفقتُ أقلّب أوراقي المتناثرة باحثًا عن مسودة قصيدتي الأخيرة، كانت قصيدة رملية جافة، مزّقتها غير آسِف، وشرعتُ أنظُمُ قصيدة بحرية تليق بعينيكِ يا طفلتي الأجمل من كل القصائد، وفي عيد ميلادكِ التاسع أهديتها لكِ في ظرفٍ ورديّ اللون مصحوبة بوردة حمراء تشبهكِ تمامًا. وعندما تلقفتني شوارع تعز _أنا فتاها الذي لم تتنكر له يومًا_ نظمتُ قصيدة أخرى حرصتُ أن تشعّ كلماتها براءة كأنتِ، وكقصائد سليمان العيسى للأطفال، تلكم القصائد التي كنتِ تحبينها إذ تسمعينني أترنم بها كلما جئتُ لزيارتكِ وزيارة رفاقكِ الصغار في قسم السرطان. دسستُ القصيدة في ظرفٍ ناولته مكتب بريد في 

حي مجاور لحيّنا، دوّنتُ على الظرف عنوانكِ الكامل، فهل وصلتكِ رسالتي الشعرية آنذاك؟
اليوم، أنا في تعز، أنتِ في صنعاء. أنتِ في داخلي مزروعة كسنديانة لا تذبل أوراقها، قريبة بعيدة كحلمٍ يُراوحُ بين إغفاءةٍ ويقظة. براءة، يا وطني الأنقى، ها هو الوطن من حولنا يتهاوى، كم حدّثتني عن أمانيكِ المنذورة للوطن، وكم آلمكِ دفق المصائب تلو المصائب عليه، كنتُ أقفُ منبهرًا أمام كلماتكِ التي لا تشي بأنها صادرة عن طفلة. أسألكِ عن آلامكِ أنتِ فتحدثيني عن آلام الوطن، عن حزنكِ المكبوت فتحدثيني عن حزن بلاد خانها أصحاء، ولكنهم مرضى نفوس وضمائر. هم المرضى يا براءة ونحن الأصحاء، مهما أثقل قلبكِ الصغير مرضُ السرطان، ومهما قيّدت جسدي الإعاقة.
ها هو وطننا يتهاوى يا براءة، فماذا بوسعي أنا أن أفعل؟ أكتبُ لكِ الآن فيما سيارة عتيقة تقلّني إلى قريتي الرابضة على سفح أحد جبال تعز الشامخة، تلتف الطريق من حول السيارة كما كانت تلتف الشطائر المحشوّة بالعسل بين يديكِ الغضّتين، فيما الشمس قرص ذابل في الأفق الموشّى بخطوط برتقالية خفيفة كأنما هيَ نقوش الحناء في باطنَي كفيكِ البيضاوين. أغمض عينيّ فأفكر فيكِ وفي الوطن الذاوي، أسمع أصوات انفجارات تأتي من بعيد فتفزعني فكرة أن طفلًا ما قد أصيب بالذعر منها، في هذه اللحظات حيث أكتبُ لكِ، أما الموت يا براءة فليس بمقدوري حتى التفكير بأنه قد سلب الآن شخصًا ما روحه.
صغيرتي براءة، سأظلُّ أنتظر منكِ رسالة مرصّعة بلهجتكِ الصنعانية الأحب إلى قلبي، دوّني فيها كل أحلامكِ وأمانيكِ، ولكن لا تدوّني عنوانًا بريديًا على مظروفها، يقيني أنها إن وصلتْ إلى يد قاتل سيرقّ قلبه، وينسى كل أساليب القتل التي خبرها في حياته، وسيشرع في تعلم الموسيقى، وإن وصلتْ إلى يد مُصاب سيبرأ جرحه، وإن حملتها الرياح إلى قبر شهيد ستنمو ليلكة خضراء بجانب القبر.

فقط اكتبي وغنّي؛ أثقُ تمام الثقة أنّ بكلماتكِ البريئة وأغانيكِ المفعمة بألحان الحياة ستستعيدُ البلاد عافيتها، وأن بمقدورها أن تتلمس طريقًا للنور من خلال بؤبؤَي عينيكِ العسليّتين.
براءة، سامحيني إذ خذلتُ أحلامك حين تركتكِ ورحلتُ خوفًا من الحرب أبحث عن الأمان، صدقيني: حتى لو سافرتُ إلى آخر الدنيا فلا شيء يبعثُ في قلبي معنى الأمان أكثر من ملامح وجهك اللبني.
أرجوكِ تشبثي بالأمل وكوني بخير من أجلكِ، من أجلي، من أجل أحبابكِ وأصدقائك، ومن أجل وطنٍ تتداعى أركانه، ويجثمُ الموت على صدره. أرجوكِ كوني بخير.


براءة، بلّغي سلامي وقبلاتي لرفاقكِ في المشفى فراس وياسمين وعبودي.
آي لاڤ يو
عمو عبد الله محمد الشميري
أبريل 2015
(اللوحة المرفقة للفنانة التشكيلية إجلال البريهي)

0 التعليقات:

إرسال تعليق