نافذة على رواية "شيء لابد منه" لحمزة عبد الله
بقلم: عبد الله محمد الشميري
في عمله الروائي الجديد، "شيء لابد منه"، يشرع حمزة عبد الله السرد على فضاء روائي يجسّد شخصية فتى يواجه أحداثًا ووقائع تؤدّي به إلى اضطرابات نفسية عدّة غير أن المحيط الذي حوله كان محيطًا إيجابيًا ومساعدًا له في تجاوز محنته، ويتمثّل ذلك في الشخوص الذين تداخلت عوالمهم مع عالم الفتى "غسّان" لتجري الأحداث شيئًا فشيئًا في مسار انحلال العُقَد والتهيئة لنهاية سعيدة، وفي كلّ تلك الأحداث بدتْ الأمور أكثر وضوحًا وانسيابية، وأكثر حميمية وهي تصبغ الجو العام للرواية بما يمكن اعتباره مثاليّة تفتّقت عنه تلك النهاية؛ فالسرد في هذه الرواية سار في نسق تلقائي بعيد عن أي تعقيدات أو تكلّف أو حتى مفاجآت وعناصر غير متوقّعة قد لربما كانت تُضفي على الرواية
إثارة وتشويقًا أكثر، ويمكن أن نعزو الإيجابية التي طفحتْ بها الرواية لبحث حمزة عبدالله عن مساحات إنسانية مشتركة تحتفي بالمحبة ومساعدة الآخر والوقوف بجانبه في أوقات الشدّة، غير أن هذه المثالية قد يبدو مبالغًا فيها وخاصة في متن نصٍّ روائي.
قسّمتْ الرواية أبجديًا ليحمل كل فصل اسم أحد الحروف الأبجدية لتبدأ فصول الرواية بحرف الألف وتنتهي بالياء، كما أن الرواية حفلتْ بكثير من الرسائل المُلهمة وبخاصة في مطالع هذه الفصول، وقد كانت من أجمل الرسائل الضمنية في الرواية التأكيد على أن بمقدورنا تحقيق الأحلام التي نصبو إليها مهما كانت الصعوبات والعوائق التي تعترضنا، كما كان من الجميل ارتباط الحلم/الرؤيا التي رافقتْ بطل الرواية في مناماته طوال الرواية بالحلم/الرؤيا الذي تحقّق في نهاية المطاف على أرض الواقع، ولنا أن نستشفّ دلالة لحدوث الحريق في بداية الرواية إذ كان ذلك الحريق بداية لتحوّل حياة غسّان ولتعرّفه على "أمل" التي أحبّها وكابد كثيرًا من أجلها، إلى آخر تلك الأحداث والمصاعب التي أسفرت في نهاية الأمر إلى مآل جميل، وهذا يُذكّرنا بمقولة "من كانت بدايته مُحرِقة كانت نهايته مُشرِقة"، وبما ينطوي عليه "الحريق" من دلالات الألم والمعاناة.
لقد كانت لغة الرواية على درجة من الصفاء، كما أن من الملاحظ أن لدى حمزة عبد الله قدرة على اجتذاب القارئ بامتلاكه أدوات السرد، غير أنه كانت هناك بعض الكلمات التي تكرّرتْ بكثرة في متن الرواية حتى أصبحتْ أشبه بلوازم كلامية ومن ذلك كلمة (اتفقنا) التي تكرّرت كثيرًا في الرواية سواءً في صيغة السؤال أو الجواب.
وإذا ما توقّفنا لدى عنصرَي الزمان والمكان نجد أنهما لم يكونا على درجةٍ من الأهمية في الرواية حيث اعتمدت الرواية على السرد العادي بعيدًا عن المؤثر الزمكاني ورغم ذلك فقد حرص حمزة عبد الله على وصف المكان الصنعاني (في بداية الرواية تحديدًا)، وهذا الوصف حدّد لنا بالضبط المنطقة التي وقعتْ فيها أحداث الرواية (منطقة التحرير وما حولها)، مع وصفه لبعض المعالم فيها، أما الزمان فقد لمّح له الكاتب بشكل ضمني وبإشارة خاطفة وبما يُمكّن القارئ من معرفة أن أحداث الرواية قد جرتْ مطلع هذه الألفينينة، ولعلّ لهذا الزمن دلالة ما بأن الرواية جرتْ في ظروف اعتيادية وزمن هادئ؛ حتى تسير أحداث الرواية بمعزل عن أي تأثير للاضطرابات السياسية التي اتسمتْ بها اليمن خلال السنوات الأخيرة.
إجمالًا فالرواية جيّدة ولكنها تفتقر إلى المعالجة الفنيّة التي بمقدورها الانتقال بالرواية من مستوى السرد العادي إلى مستوى أعلى فنيًّا، كما أنها بحاجة للإفادة من تقنيات السرد الحديثة، وتعميق الرؤية التي تتبنّاها أكثر، وهذا ما نأمل أن نجده في الأعمال الروائية القادمة لحمزة عبد الله.
بقي القول أن هذه الرواية هي الثانية في مشوار حمزة عبد الله الروائي، وتعدّ الكتاب الثالث في مجموع إصداراته (سَبِقِ أن أصدر أيضًا ديوان شعر)، وهذه الثلاثة الإصدارات مقارنة بعمر حمزة عبد الله الذي ما يزال في مقتبل الشباب تُعدّ إنجازًا لا يُستهان به. إن باستقراء تجربة حمزة عبد الله مع الرواية يمكن لنا أن نتنبأ بكاتب روائي يوشك أن يلمع نجمه، ويحدونا الأمل في أن نراه ذات يوم وقد تبوأ موقعًا مرموقًا في صدارة المشهد الروائي، ولعلّ المتابع لحمزة عبد الله يدرك ما يملكه هذا الشاب من طموح كبير ومن عمل دؤوب على مشروعه الإبداعي؛ ما مكّنه من امتلاك جمهورٍ عريضٍ من المتابعين وبخاصة من فئة الشباب الذين وبلا شك سيجدون في حمزة نموذجًا للشاب المبدع والناجح.
نُشِر هذا المقال في العدد الثالث من مجلة أبجديات الثقافية - يوليو 2018، والتي تصدر عن مؤسسة أبجديات الأدبية الثقافية، يمكنكم تحميل المجلة من الرابط:


0 التعليقات:
إرسال تعليق